
الاستطلاع - لا خلاف بين الاقتصاديين على أن الضرائب تمثل الأداة الأساسية لتمويل الدولة وتوفير الخدمات العمومية، لكن العدالة الضريبية هي المعيار الحقيقي لنجاح أي نظام جبائي؛ إذ ينبغي أن تقوم على توزيع عادل للأعباء وربط الجباية بتحسين مستوى الخدمات غير أن الواقع في موريتانيا يطرح سؤالا ملحا :
هل النظام الضريبي لدينا يخدم التنمية والعدالة الاجتماعية، أم أنه تحول إلى عبء إضافي على المواطن العادي؟
1- *اعتماد كبير على الضرائب في تمويل الدولة*
تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن الضرائب أصبحت أحد أهم مصادر تمويل الميزانية في موريتانيا، إذ تمثل حدود الثلثين من موارد الميزانية العامة للدولة. 
كما تبلغ نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 14%، وهي أقل من المتوسط الإفريقي البالغ نحو 16% ويرجع هذا التفاوت أساسا إلى انتشار التهرب الضريبي واتساع الاقتصاد غير الرسمي الذي يقدر بنحو 40% من الاقتصاد الوطني. 
هذه الأرقام تعني ببساطة أن الدولة تعتمد على الضرائب كمصدر أساسي لتمويل نفقاتها، لكنها في الوقت نفسه تعجز عن توسيع القاعدة الضريبية لتشمل كل الفاعلين الاقتصاديين.
2- *ضغط ضريبي مرتفع على الأجور والدخل*
يخضع نظام ضريبة الدخل في موريتانيا لشرائح تصاعدية تصل في أعلاها إلى 40% من الرواتب المرتفعة، وهي نسبة تعد من بين الأعلى في الدول العربية. 
فعلى سبيل المثال:
• الشريحة بين 6000 و9000 أوقية تخضع لضريبة 15%.
• الشريحة بين 9000 و21000 أوقية تخضع لضريبة 25%.
• أما الشريحة الأعلى فتصل الضريبة فيها إلى 40%. 
وفي المقابل يبلغ معدل ضريبة الشركات حوالي 25%، وهو قريب من المعدلات العالمية. 
لكن المشكلة لا تكمن فقط في نسب الضرائب، بل في البيئة الاقتصادية التي تفرض فيها؛ إذ إن هذه المعدلات تطبق في بلد ما يزال يعاني من انخفاض متوسط الدخل وضعف الخدمات العامة.
3- *ضيق القاعدة الضريبية واختلال توزيع العبء*
تشير البيانات الحكومية إلى أن نحو 19 ألف شركة فقط سددت الضرائب سنة 2025، وأن 100 شركة وحدها ساهمت بـ79% من إجمالي الضرائب المحصلة. 
هذه الأرقام تكشف خللا واضحا في هيكلة النظام الضريبي، حيث يتركز العبء في عدد محدود من الفاعلين، بينما يظل جزء كبير من الاقتصاد خارج المنظومة الجبائية.
وبينما تؤكد الحكومة أن الضغط الضريبي في موريتانيا من بين الأضعف عالميا بنسبة تقارب 16.7%، فإن هذا المؤشر العام يخفي واقعا مختلفا على مستوى المواطن العادي، خاصة أصحاب الرواتب والأنشطة الصغيرة الذين يخضع دخلهم لاقتطاع مباشر. 
4- *مواطن يدفع أكثر مما يحصل*
المشكلة الأكبر ليست في الضرائب وحدها، بل في العلاقة بين الجباية والخدمات فالمواطن الموريتاني يدفع ضرائب مرتفعة نسبيا مقارنة بمستوى دخله، بينما ما تزال الخدمات الأساسية تعاني من ضعف كبير.
وتشير تقارير التنمية إلى أن نحو 31% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن مؤشر التنمية البشرية في موريتانيا لا يتجاوز 0.556، ما يضع البلاد في مرتبة متأخرة عالميا. 
كما تشير تقديرات أخرى إلى أن نحو 56% من السكان يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، وهو ما يعني أن نسبة واسعة من المجتمع تواجه صعوبات في التعليم والصحة ومستوى المعيشة. 
فكيف يمكن إقناع المواطن بجدوى الضرائب في ظل هذه المؤشرات؟
5- *الحاجة إلى إصلاح ضريبي عادل*
إن النقاش حول الضرائب في موريتانيا يجب أن ينتقل من منطق الجباية إلى منطق العدالة الاقتصادية ومن موقعنا في المعارضة، نرى أن الإصلاح الضريبي ينبغي أن يقوم على عدة مبادئ أساسية:
1. توسيع القاعدة الضريبية بإدماج الاقتصاد غير الرسمي.
2. تخفيف العبء الضريبي على الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل.
3. تعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة.
4. ربط الضرائب بتحسين ملموس في الخدمات العمومية.
فالضريبة ليست مجرد مورد مالي، بل هي جزء من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن وعندما يشعر المواطن بأن ما يدفعه من ضرائب لا ينعكس على حياته اليومية، فإن الثقة في المؤسسات تتآكل.
خاتمة
إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى إصلاح جبائي حقيقي يحقق التوازن بين حاجات الدولة وحقوق المواطنين فلا تنمية بلا موارد، ولكن لا شرعية لأي نظام ضريبي إذا افتقد العدالة والشفافية.
إن العدالة الضريبية ليست شعارا سياسيا، بل هي شرط أساسي لبناء دولة عادلة واقتصاد مستدام.